بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الأنام المصطفى محمد، وعلى آله الأطهار، لا سيما بقية الله في الأرضين.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (111)
﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (112) – التوبة
إنّ الجهاد في سبيل الله يتحقّق في عصر الغيبة على أساس الإيمان واتباع أمر الله و حکمو القيادة الشرعیة الكفوؤة للنائب العام للإمام المهدي (عج).
إنّه جهاد يُربّي الإنسان.
في صدر الإسلام، تربّى رجالٌ عظام في ميادين الجهاد، وكانوا في ركب رسول الله وأمير المؤمنين، وكذلك الإمامين الحسن والحسين (عليهم السلام)، وصاروا نماذج خالدة للتربية الجهادية تتجاوز الزمان والمكان.
وفي العصر الحديث، تجلّت هذه التربية الجهادية في التجربة الحيّة للدفاع المقدّس ضد العدوان البعثي، وفي مقاومة الاحتلال الصهيوني، بدءًا من حزب الله في لبنان، ثم في حماس والجهاد الإسلامي، والحشد الشعبي المقدس، وقوى المقاومة الشجاعة في العراق، وأنصار الله في اليمن.
لكن:
ما معنى التربية الجهادية في الميدان؟ ما هي أبعادها؟ ما أدوات تحققها؟ وما علاقتها بالنهضة الحضارية؟ ومن هم قدواتها في هذا العصر؟ وكيف أصبحت مدرسة متكاملة في التربية؟
تعريف التربية الجهادية الميدانية:
التربية الجهادية في الميدان تعني:
إعداد الإنسان على أساس تقوية الإيمان، والعمل الصالح، والحضور الواعي في ساحات الواجب، والإخلاص في الولاية والطاعة، والاستعداد للتضحية، وبذل الجهد بلا كلل، وتسخير جميع الطاقات العقلية، والروحية، والبدنية، والنفسية للمشاركة المخلصة في ميادين المواجهة مع التحديات الحضارية، الفكرية، الثقافية، الأمنية والعسكرية.
بحيث يكون المجاهد صاحب إيمان، وبصيرة، وإرادة، وقدرة عملية على التضحية، والتخطيط، والثبات، وتحقيق أهداف الإسلام في الواقع.
نظرة تربوية في الآيات السابقة:
الآيتان الكريمتان تُظهران صفات المؤمنين المجاهدين في مختلف ميادين الجهاد (العسكري، الثقافي، الاجتماعي، العلمي…).
أولاً: البيعة الإلهية – بيع النفس والمال في سبيل الله (آية 111)
المعنى: الله يشتري من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، ويمنحهم الجنّة مقابل ذلك.
التربية الجهادية: المجاهد الحقيقي هو من سلّم نفسه وماله لله، وهو دائم الاستعداد للبذل والتضحية.
النتيجة: التحرر من التعلّق بالدنيا، والتهيؤ الكامل لدخول ميادين الجهاد كافة.
ثانياً: الشهادة والحياة الأبدية (آية 111)
“يقاتلون في سبيل الله فيَقتُلون ويُقتَلون”: المجاهد يواجه العدو، ويستشهد.
التربية الجهادية تُربي الإنسان على كسر حاجز الخوف من الموت، والنظر إلى الشهادة كولادة ثانية وحياة خالدة.
في الواقع المعاصر، العالم أو المعلّم أو الطبيب المؤمن، المجاهد في سبيل الله، يمكن أن يبلغ مقام الشهادة، كما المجاهد العسكري.
ثالثاً: صفات المجاهدين المؤمنين (آية 112)
توضح الآية صفات روحية وسلوكية ناتجة عن تربية جهادية متكاملة:
التائبون: دائم الرجوع إلى الله.
العابدون: مستمرون في العبادة، حتى في أرض المعركة.
الحامدون: شاكرون لله على النعم.
السائحون: أهل صيام، وزهد، وسفر في سبيل التكليف الشرعي.
الراكعون الساجدون: أهل صلاة وخشوع وهوية روحانية و عبادية.
الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر: ناشطون في إصلاح المجتمع.
الحافظون لحدود الله: ملتزمون بالشرع في كل المجالات.
التربية الجهادية لا تقتصر على فنون القتال، بل تشمل التهذيب الروحي، والتقوى، والمسؤولية الاجتماعية.
المدير الجهادي كذلك يجب أن يتحلّى بهذه الصفات لقيادة الأمة نحو النهضة والتقدم.
خلاصة مفاهيم التربية الجهادية في هذه الآيات:
الهدف: تحويل المؤمنين إلى “جنود الله” في كل مجالات الحياة.
الأسلوب:
مبابعة الله : تسليم النفس والمال له.
الاستعداد الدائم للشهادة والخدمة.
تربية روحية وسلوكية على ضوء آية 112.
النتائج:
مجتمع مقاوم أمام التحديات الداخلية والخارجية.
قيادة إسلامية متواضعة، عابدة، عادلة.
حضارة إسلامية تسري فيها روح الجهاد في كل ميدان.
هذه الآيات تؤكّد أن التربية الجهادية ليست مقصورة على ساحات الحرب، بل هي أسلوب حياة متكامل، يحوّل الإنسان في أي موقع كان إلى مجاهد صادق.
الأبعاد الأساسية للتربية الجهادية الميدانية:
التربية العقائدية: ترسيخ الإيمان بالله، والآخرة، والولاء، وروح الشهادة.
التربية الفكرية: تنمية البصيرة والوعي السياسي والحضاري، ومعرفة العدو، وفهم المشروع الحضاري الإسلامي.
التربية الروحية والنفسية: صقل الصبر، الثبات، الشجاعة، ضبط النفس، والعناية بالحالة النفسية في مواجهة التحديات.
التربية البدنية: التمرين العسكري، والجاهزية الجسدية، والانضباط في الميدان.
التربية العملية: الانخراط في العمل ضمن جبهة المقاومة أو الحركات النهضوية الإسلامية.
الأهداف العملية للتربية الجهادية في الميدان:
بناء إنسان مقاوم حضاري في وجه المشاريع الاستعمارية.
دمج الإيمان بالواقع العملي عبر التدريب والتطبيق الميداني.
نقل الجهاد من النظرية إلى الواقع بمنهج شمولي.
تأسيس بيئة تربوية جهادية مستمرة، على خط مدرسة القرآن ونهج أمير المؤمنين.
أدوات التربية الجهادية الميدانية:
المعسكرات الجهادية (كمعسكرات التعبئة والكشافة والمقاومة).
انشاء دورات البصيرة (عقائدية، أخلاقية، سياسية، فقه الجهاد، معرفة العدو، الارتباط بالقرآن ونهج البلاغة والصحيفة السجادية).
الحضور الميداني في ساحات الإغاثة والخدمة والمقاومة الاجتماعية.
شبكات المقاومة الثقافية والميدانية.
ربط الجبهات بساحات التعبئة الشعبية.
العلاقة بين التربية الجهادية والنهضة الحضارية:
الجهاد ليس عسكرياً فقط، بل هو حركة حضارية شاملة.
المجاهد الميداني هو عنصر بناء الحضارة الإسلامية عبر الوعي والشجاعة والمبادرة.
التربية الجهادية في الميدان تشكّل نواة مشروع الجهاد الحضاري.
النماذج الملهمة:
مدرسة الإمام الخميني (قده):
قال في صحيفة النور، ج ۲۰، ص ۲۲۷:
«كل العالم ساحة جهاد… نحن نريد أن نرفع راية (لا إله إلا الله) على قمم العزّة والكرامة… ما دام الشرك والكفر موجودَين، فالمواجهة مستمرة، ونحن موجودون.»
مدرسة القائد الشهيد سيد حسن نصرالله رضوان الله تعالى عليه .
على أساس السنة الإلهية: “إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ”
وجعل تحرير القدس عملاً تكليفياً عاشورائياً، قائماً على الايمان المحكم بالولاية الميدانية.
مدرسة الشهيد الحاج قاسم سليماني والشهيد أبو مهدي المهندس (رضوان الله عليهما):
«لا يوجد ميدان جهادي من دون تربية، ولا يتحقق أي انتصار في الميدان من دون تربية جهادية». إنّ الجمهورية الإسلامية هي بمثابة الحرم، ومن شؤون العاقبة الحسنة اتباع ولاية الفقيه.
مدرسة المدافعين عن الحرم الزينبي في سوريا والعراق ولبنان:
هي نموذج في تحويل الضعف إلى قوة، والتهديد إلى فرصة، وهي نموذج في التربية الجهادية للرجال والنساء في ساحات المواجهة، وتقديم جمهور ومجتمع مقاوم.
وخلاصة القول إنّ التربية الجهادية في الميدان لا تقتصر على الدفاع عن الأمة، بل هي نموذج لبناء الحضارة وصناعة الإنسان الإلهي المقاوم، الذي يحمل الرسالة، ويعمل بها، ويتقدّم في مسيرته على أساسها نحو الحياة الطيبة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
20/3/1404 هـ.ش
قم المقدسة _ الاقل _ عباس الكعبي