✍🏻 سماحة آيت الله الكعبي
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (النحل: ٣٦)
لقد كانت الثورة الإسلامية في إيران «زلزالاً حضارياً» نسف أسطورة «موت الله» وأبطل دعوات إقصاء الدين عن الحياة الاجتماعية والسياسية واليوم، يُبرز لنا قياسُ النظرة التوحيدية للثورة الإسلامية بالنظرة العَلمانية الغربية حجمَ أزمات العالم الحديث بجلاء أكبر.
١. الغرب: حضارة تدّعي الاستغناء عن الله
أقصت الحضارة الغربية الدين عن المجال العام عبر العَلمانية، وأقامت «أصناماً» جديدة للإنسان:
صنم الرأسمالية الجشعة: حيث تتحكّم الكارتلات والاحتكارات والإمبراطوريات المالية الطفيلية بالقرار السياسي والاقتصادي العالمي. إنّ مثلث المال والقوّة والخداع هو الحاكم الحقيقي اليوم، ممّا أفرز فوارق طبقية حادّة وظلماً مؤسسياً.
صنم اللذة والشهوة: أصالة الفردانية والنزعة الاستهلاكية المفرطة حوّلت الإنسان المعاصر إلى عبدٍ جديد، وقوّضت الأسرة وألغت المعنى الحقيقي للحياة والسعادة.
صنم عبادة القوة: فراعنة العصر شيّدوا نظاماً أحادي القطب على قاعدة «أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى»، قائمٍ على إذلال الشعوب الحرة، وإشعال الحروب والمجازر، وجعل العدوان معياراً للسياسة والعلاقات الدولية.
وكانت النتيجة أزمات متراكبة: أزمة الحكم الجائر، أزمة المعنوية، أزمة الأمن، تفكّك الأسرة، الاكتئاب الجماعي، تفاقم اللامساواة، الأزمة البيئية، وانهيار إنسانية الإنسان ــ وأبرز مثال على ذلك جرائم غزة. إنّ الغرب العَلماني قد فقد بوصلة الهداية، وأوقع البشرية في تيه وضياع.
٢. الثورة الإسلامية: العودة إلى الله ورواية الحياة الطيبة
في المقابل، مهّدت الثورة الإسلامية بشعار «حاكمية الله» الطريق لعودة الإنسان إلى ربّه، وقدّمت رواية أصيلة عن الحياة الطيبة:
اقتصاد مقاوم وعدالة محورية: الاقتصاد في خدمة الإنسان، لا الإنسان في خدمة الاقتصاد. فالإنتاج ونمو الثروة قيمة، لكن الإسراف والبذخ والتفاخر قيمٌ مضادّة.
كرامة الإنسان والحرية الحقيقية: الحرية الحقّة تعني العبودية لله وخدمة الناس، واللذة الحقيقية تكمن في القرب الإلهي.
الاستكبارية والعزة الإسلامية: القوّة وسيلة لتحقيق العدل والدفاع عن المستضعفين، لا أداة للهيمنة والقمع.
٣. التقابل الحضاري في زمن الأزمات
إنّ فعالية هذين النموذجين في مواجهة أزمات العصر تكشف بوضوح عمق الهوّة بينهما:
ازمة الاخلاق: الغرب غارق في النسبية الأخلاقية، بينما الثورة الإسلامية تؤكّد على القيم المطلقة والفضائل الإنسانية.
أزمة الحكم: الديمقراطية الغربية أسيرة الشعبوية وتلاعب الإعلام وهيمنة المال؛ أمّا الديمقراطية الدينية فتجمع بين الشرعية الإلهية والقبول الشعبي، وتقوم على الاختيار الواعي للأصلح وبناء الكفاءة.
أزمة العدالة: الرأسمالية الغربية أداة ضخمة لإنتاج اللامساواة. أمّا الثورة الإسلامية فجعلت العدالة ومحاربة الفساد محور الحُكم، وإن تأثرت أحياناً بأضرار ناتجة عن نماذج التنمية الغربية.
أزمة المعنوية: الغرب يقدّم روحانيات زائفة، بينما تطرح الثورة الإسلامية الروحانية التوحيدية القائمة على عبودية الله، وكرامة الإنسان، والجهاد الحضاري.
الخاتمة: معركة الروايات وضرورة العودة إلى الله
إنّ الصراع القائم اليوم ليس مجرّد نزاع سياسي أو عسكري؛ إنّه «معركة الروايات الحضارية». لقد أثبتت التجربة الغربية أنّ البشرية عاجزة عن بناء مجتمع عادل وآمن وذي معنى بعيداً عن الله. وفي المقابل، يرى خطاب الثورة الإسلامية أنّ العودة إلى الله وإقامة الحُكم التوحيدي ضرورة تاريخية وحضارية.
فالخلاص الإنساني مرهونٌ بدمج العلم والإيمان، العقلانية والمعنوية، العدالة والتقدّم. إنّ تجاوز الحداثة العَلمانية والسير نحو «النظام التوحيدي الجديد» هو الطريق الذي ترسمه الثورة الإسلامية كنموذج حيّ وفاعل؛ نظام يلتقي فيه الإيمان بالعلم، والكفاءة بالأخلاق، والعدالة بالمسؤولية، والمعنوية بالتقدّم.
اسمُكَ يا شمسَ العوالِمِ سوفَ يَزْهَرُ في الأنامْ
يومٌ تَرى الدُّنيا شَهوداً أنّها عَدلٌ وسَلامْ
غَدُ الجَمالِ، غَدٌ يَراهُ الملْكُ في أحلى مَنامْ
لكنَّهُ في عَصْرِ مَن صُودِرَ الحُقوقُ، يَكْتَمِلُ الحُلمُ المُدامْ
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ( القصص٥)
۱۳/ ۶/ ۱۴۰۴
عباس الکعبی