سماحة آیت الله الشيخ الکعبی:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال الله تعالى:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ»
(الأنفال: ٤٦–٤٧)
إنّ وحدةَ الأمّة الإسلامية اليوم—لا على مستوى الشعار والعرض، بل في ميدان الفعل العملي—تتجلّى في إيقاف الإبادة الجماعية الممنهجة في غزّة. ويشكّل تحرّك أسطول «الصمود» العالمي إلى غزّة مثالًا على مساعي الأمّة وأحرار العالم الشجاعة لاستنهاض الرأي العام وإيصال المساعدات الإنسانية.
منذ ٧٠٠ يوم تُمطِر على رؤوس أهل غزّة نارًا وحديدًا. أكثر من ٧٣ ألف شهيد ومفقود، وتدمير ٩٠٪ من المرافق والمنشآت، وملايين المشرّدين؛ ليست هذه أرقامًا فحسب، بل وثيقةً على إحدى أعظم مآسي تاريخ البشرية. ومع ذلك يقف المجتمع الدولي إزاء هذه الإبادة البيّنة إمّا عاجزًا، أو لا مباليًا، أو متواطئًا. والسؤال الجوهري: لِمَ يعجز العالم عن إيقاف آلة الجريمة الصهيونية؟
۱- الفيتو الأميركي: إضفاءُ الشرعية على الجريمة
إنّ الولايات المتحدة الأميركية، التي يفترض—بوصفها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن—أن تكون حافظةً للسِّلم العالمي، قد تحوّلت عمليًّا إلى الداعم الرئيس لجرائم الصهيونية. وكلُّ قرارٍ يُطرَح ضدّ إسرائيل تُجهِضه الولايات المتحدة بحقّ النقض. وهذا الفيتو يُشكّل، في الواقع، ترخيصًا دوليًّا للإبادة الجماعية. وهي ذاتُها «الشيطان الأكبر» و«الطاغوت الأكبر» و«العدوّ الأوّل للبشرية»، إذ ترى مصالحها في الحرب وإراقة الدماء وتجارة السلاح.
٢. كارتلات السلاح وتروستاته: تجارةٌ دامية
لقد غدت حربُ غزّة، بالنسبة إلى كارتلات السلاح الغربية الكبرى وتروستاته، تجارةً فائقةَ الربح؛ فكلُّ قنبلةٍ وصاروخٍ يُلقى على غزّة يدرّ عوائدَ طائلة في خزائن تلك الشركات. وإنّ صناعةَ السلاح تُعدّ أحد أعمدة اقتصاد الغرب، ومن ثمّ فإنّ انتهاءَ الحرب يعني عند أولئك العمالقة انحسارَ الأرباح وتكبّد الخسائر الاقتصادية.
٣. خوفٌ أو خيانةٌ لدى بعض الحكومات العربية والإسلامية
إنّ شطرًا معتبرًا من الحكومات العربية والإسلامية، بدلًا من الدفاع عن فلسطين، قد اندفع إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وترى هذه الحكومات أنّ بقاءها مرتهنٌ برضا الولايات المتحدة وإسرائيل، وتخشَى سخطَ شعوبها. وقد أفضى هذا الخوفُ أو تلك الخيانةُ إلى الصمت والاصطفاف مع مجرمي الحرب.
٤. صمتُ المجتمع الدولي وجموده
إنّ الرأيَ العامَّ العالميَّ إمّا واقعٌ تحت هيمنة المنظومات الإعلامية الغربية، وإمّا مُلهًى بصناعات ترفيهٍ مصطنعة (الرياضة، السينما، الفضاءُ الرقمي)، أو منغمسٌ في شؤون المعاش اليومي؛ فيُحالُ بينه وبين إدراك حقيقةِ الفاجعة. أمّا الحكومات فتصمتُ خشيةَ القوى الكبرى. والنتيجةُ: إطلاقُ يدِ إسرائيل لتحويل غزّة إلى مختبرٍ للإبادة الجماعية المنهجية.
٥. العجزُ البنيويّ في الأممِ المتّحدة
إنّ الأممَ المتحدة رهينةٌ لسطوةِ القوى الكبرى؛ لا تمتلك قدرةً تنفيذية ولا استقلاليةً حقيقية. وإنّ صمتَها إزاء مجازر الأطفال والنساء والصحافيين في غزّة يُمثّل صفحةً من أظلم صفحات تاريخ هذه المؤسسة.
٦. محورُ المقاومة: تجسيدٌ للوحدة في الميدان ورجاءُ مظلومي غزّة، لكنه غيرُ كافٍ
تنهض إيران وحزبُ الله وحماس وحركةُ الجهاد الإسلامي وأنصارُ الله في اليمن—كلٌّ بحسب طاقته—بجزءٍ من عبءِ المقاومة. غير أنّه، على الرغم من هذه التضحيات، لم ترتقِ الإجراءاتُ الإقليمية بعدُ إلى مستوى يفرض وقفًا كاملًا لإطلاق النار على مُشعِلي الحروب ومجرميها. ومن ثَمّ فالحاجةُ ماسّةٌ إلى تنسيقٍ عمليّاتيٍّ أوثق، وإلى ضغطٍ شعبيٍّ ودبلوماسيٍّ أوسع.
٧. إلى أين نمضي؟
إذا استمرّ المسارُ الراهن، فإنّ الصهاينة—بدعمٍ أميركيّ—سيسعون إلى التطهير العِرقي والقضاء التامّ على غزّة. غير أنّ مؤشّرات الأمل جليّة: صمودُ أهلِ غزّة البطولي، وتنامي النُّفور العالمي من الصهيونية، وإرهاقُ العسكريين الإسرائيليين، والتصدّعاتُ الداخلية، وتزايدُ الضغط على نتنياهو الخبيث ومجرمِ الحرب.
٨_ إجراءاتٌ فوريّةٌ وضروريّة
الجهادُ الدفاعيُّ في قضيّةِ فلسطين محلُّ اتّفاقٍ بين جميعِ علماءِ الشيعةِ والسنّة منذ بدءِ احتلالِ فلسطين إلى اليوم. واليوم يتوهّمُ هذا الورمُ السرطانيُّ الخبيثُ امتدادَهُ في جسدِ الأمّةِ الإسلاميّة إلى بلدانٍ مثل مصرَ والأردنِّ ولبنانَ وسوريا وأجزاءٍ من السعوديّة والعراق. غيرَ أنّ حلمَ «إسرائيلَ الكبرى» المضطربَ لن يتحقّقَ أبدًا.
واليومَ يتعيّنُ وجوبًا قطعيًّا وفوريًّا على آحادِ الأمّةِ الإسلاميّة والدُّولِ والنُّخَب والمنظّمات والهيئاتِ الشعبيّة والفاعلين الاجتماعيّين والسياسيّين والإعلاميّين أن يدعموا—كلٌّ بقدرِ طاقته—أهلَ غزّةَ المظلومين في جميعِ الميادينِ الممكنة. واليوم فإنّ الجهادَ الدفاعيَّ واجبٌ قطعيٌّ وفوريّ على جميعِ آحادِ الأمّةِ الإسلاميّة في الدفاعِ عن فلسطينَ ونُصرةِ أهلِ غزّة. وعلى كلِّ مَن استطاعَ عملًا أن يقومَ به وجوبًا.
واجبٌ قطعي و فوري أن ينهضَ جميعُ آحادِ الأمّةِ الإسلاميّة للدفاعِ عن فلسطينَ ودعمِ شعبِ غزّة. وكلُّ مَن استطاعَ فعلَ اي ما بوسعه فعليه أن يفعله. واستهداف كل أهداف الصهاينة، في كلِّ زمانٍ ومكانٍ وبكلِّ وسيلةٍ ممكنة، واجبٌ شرعي مصداقٌ للجهاد في سبيلِ الله. والقتلى في سبيل أداء هذه الفريضة الإلهيّة شهداءُ في سبيلِ الله. والذين يُقصِّرون عن الجهاد في سبيل الله في الدفاع عن شعبِ غزّة المظلوم، واقعون تحت غضبِ الله.
يقول رسولُ الأكرم صلى الله عليه وآله: «المؤمنُ للمؤمنِ كالبُنيانِ المرصوصِ يشدُّ بعضُه بعضًا».
وقال النبيُّ الأكرم صلى الله عليه وآله: المؤمنُ بالنسبةِ إلى المؤمنِ كالبناءِ الرّاسخِ تُثبِّتُ أجزاؤه بعضُها بعضًا.
وبناءً على ذلك يُؤكَّد على الإجراءات العاجلة والضروريّة الآتية:
١. المقاطعةُ الشعبيّةُ والاقتصاديّةُ للبضائعِ والشركاتِ الداعمةِ لإسرائيل.
٢. حملةٌ إعلاميّةٌ عالميّةٌ لإيصالِ صوتِ مظلوميّةِ غزّة.
٣. الضغطُ على الحكوماتِ لقطعِ العلاقاتِ السياسيّةِ والاقتصاديّةِ مع إسرائيل.
٤. الملاحقةُ القانونيّةُ الدوليّةُ للمسؤولينَ الصهاينةِ المجرمينَ وداعميهم.
٥. وحدةُ الأمّةِ الإسلاميّةِ حولَ محورِ فلسطينَ وإذكاءُ جذوةِ اليقظةِ الإسلاميّة.
٦. زيادةُ دعمِ محورِ المقاومة في المجالاتِ الماليّة والعمليّاتيّة والاستخباريّة والإعلاميّة، وفي الإغاثةِ الإنسانيّةِ والغذائيّةِ والدوائيّة.
الوعدُ الإلهيّ: النصرُ قريب
قال الله تعالى:
«حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ»
(يوسف: ١١٠)
وكما شهدَ الرُّسُلُ نصرَ اللهِ عندَ ذروةِ اليأس، فإنّ علينا اليومَ أن نوقنَ بأنّ وعدَ اللهِ قريب.
ختامًا:
إنّ الإبادةَ الجماعيّةَ في غزّةَ ثمرةُ تحالفِ الولاياتِ المتّحدةِ وكارتلاتِ السلاحِ وخيانةِ بعضِ الحكوماتِ العربيّةِ وعجزِ الأممِ المتّحدة. ولكنّ التاريخَ أثبتَ أنّه لا طاغوتَ يدوم. وطريقُ الخلاصِ في الوحدةِ والمقاومةِ والإيمانِ بالوعدِ الإلهيّ. فإذا توحّدتِ الأمّةُ الإسلاميّةُ قلبًا وقالبًا، أمكنَها أن تُحوِّلَ هذه المأساةَ إلى منعطفٍ حاسمٍ لانتصارِ الحقِّ على الباطل.
على عهدِنا واقفونَ كالجبال،
وحتّى آخرِ نَفَسٍ في هذه المعركةِ العسيرة،
كتبْنَا بالعُيونِ والقلوبِ عهدًا وقَسَمًا
ألّا نَفْتُرَ عن المسير،
وسنبقى أوفياءَ لِمَبادئِنا.
والسّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه
١٥/٦/١٤٠٤