مرکز علمی فرهنگی امام حسین (ع)

تحت اشراف حضرت آیت الله عباس کعبی

العاطفة العاشورائية والعقل الحضاري

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيم
السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا زَيْنَبَ الْكُبْرَى، يَا شَرِيكَةَ الْحُسَيْن، يَا بَطَلَةَ كَرْبَلَاء

إنّ ولادة السيّدة زينب الكبرى (عليها السلام) تذكّر البشريّة بميلاد المرأة العالمة، التقيّة، القويّة، النموذج الحضاريّ الكامل، وتجسّدٌ مشرقٌ لِاتّحاد العقل والعاطفة، الصبر الفعّال والجهاد المستمرّ، الولاية والبصيرة في تاريخ الإنسانيّة.
لقد تربّت في مدرسة الوحي، وكانت مهبطاً للملائكة، ابنةَ عليٍّ وفاطمة، وأختَ الحسن والحسين (عليهم السلام). امتلأت روحها بالفضائل الإنسانيّة والعلم الإلهيّ والحكمة الربّانيّة، حتّى لُقِّبَت بعقيلة بني هاشم وشريكة الإمام الحسين (ع) في نهضته، فهي اللسان الذي فسّر ثار الله ، ورفع راية الحقيقة من ساحة كربلاء إلى أعماق التاريخ.

شريكة النهضة الحسينيّة والرسالة العاشورائية

إذا كانت عاشوراء قمّةَ الفداء وساحةَ الجهاد الدمويّ، فإنّ زينب (عليها السلام) هي قافلةُ تلك القمّة في مسيرة التاريخ.
فعاشوراء من دون زينب سلام الله عليها ؛ كانت ستبقى صرخةً مخنوقة، ورسالة دم الحسين (عليه السلام) كانت لتُدفَن بين السيوف والرماح.
لكنّها بالصبر والكلمة بدأت جهاد التبيين؛ جهاداً سلاحُه الكلمة وساحتُه الضمائر النائمة.

وفي مجلس ابن زياد الملعون وديوان يزيد الطاغي الملعون ، كشفت زينب (ع) عن حقيقة الولاية، وقالت بصوت الإيمان واليقين:

«ما رأيتُ إلّا جميلاً».
رأت الجمال لا في ظواهر المصائب، بل في تحقيق وعد الله وبقاء دينه.

قدوة لكلّ العصور

إنّ زينب (سلام الله عليها) هي مظهرُ العقلانيّة الحضاريّة، والعاطفة العاشورائيّة، ورايةُ المقاومة الحسينيّة.
امتزج في شخصيّتها الإيمانُ بالقضاء والقدر الإلهيّ مع الشجاعة الاجتماعيّة والمسؤوليّة الحضاريّة.
هي نموذج المرأة المسلمة المجاهدة في ميدان الجهاد الحضاريّ؛ امرأةٌ لم تقف في هامش التاريخ، بل في قلب الحركة الإلهيّة التي أرست أسس الحضارة الإسلاميّة.

القلب النابض لمحور المقاومة

لم تبقَ زينب الكبرى (عليها السلام) في صفحات الماضي، بل أصبحت روحَ نهضة الأمَم الحرّة وإلهامَ النساء المجاهدات في هذا العصر.
من الكوفة إلى دمشق، ومن دمشق إلى طهران ولبنان واليمن وغزّة، يتردّد صوتُ زينب عليها السلام في الميادين.
إنّ المدافعين عن الحرم جعلوا اسم زينب الكبرى عليها السلام؛ شعارَ المقاومة، لأنّها رمزُ بقاء مدرسة الحسين (عليه السلام).

وكما أحيا الحسين (ع) الدينَ بدمه، أحيت زينب (ع) الرسالةَ ببيانها وجهادها الثقافيّ؛
أحدهما بالشهادة، والأخرى بالبلاغ؛
أحدهما بالفداء، والأخرى بصدى الحق المدوي.

رسالة زينب (عليها السلام) لعصرنا

في زمن الحرب المعرفية والتضليل الإعلاميّ، تعلّمنا زينب الكبرى (ع):

أنّ الصبر الجهاديّ الفعّال يحوّل الضعف إلى قوّة، والتهديد إلى فرصة.

وأنّ إدارة الأزمات والتبيين الذكيّ تهزمان رواية العدوّ وتخلّدان رواية «انتصار الدمّ على السيف».

وأنّ التبيين جهادٌ في سبيل الله.

وأنّ الإيمان هو السلاح الأعظم في مواجهة طواغيت العصر.

وإنّ محور المقاومة اليوم، في ثباته وصموده، يستمدّ روحه من الروح الزينبيّة التي لا تعرف الهزيمة ولا الخضوع.
إنّها تجلّي الصبر التوحيديّ، وصوتُ الولاية، وشعلةُ يقظة الأمّة.

زينب (ع) وتربية الجيل النسويّ الحضاريّ

في عالمٍ معاصرٍ تائهٍ بين استعباد المرأة في ثقافة الاستهلاك الغربيّ، وانعزالها في الجمود الثقافيّ، تقدّم زينب الكبرى (ع) النموذج الثالث:
المرأةَ المؤمنة الواعية المجاهدة التي تجمع بين العقل والعفّة والمسؤوليّة الاجتماعيّة.
لقد أثبتت أنّ المرأة المسلمة تستطيع أن تكون في ميادين السياسة، والثقافة، والإعلام، والجامعة رايةً للجهاد الفكريّ والحضاريّ دون أن تفقد هويّتها الإيمانيّة.

واليوم في الجمهوريّة الإسلاميّة، آلافُ النساء العالمات والمفكّرات والفنّانات وأستاذات الجامعات والإعلاميّات يستلهمن من مدرسة زينب (ع) طريق جهاد التبيين، والتقدّم العلميّ، وثقافة المقاومة.
إنّ زينب (ع) هي المرأةُ الحضاريّةُ الرائدة التي جمعت بين العقل الدينيّ والحضور الاجتماعيّ، وبين الحياء والاقتدار.

زينب والممرّضات وأمّهات الشهداء

في إيران الإسلاميّة، جعل يومُ ولادة السيّدة زينب (عليها السلام) يومَ الممرّضة، اعترافاً بأنّ الممرّضات الوريثاتُ الحقيقيّات لصبر زينب عليها السلام ؛ في وجه آلام كربلاء.
إنّ الطريق الذي بدأته زينب عليها السلام يستمرّ في ثورة الإسلام؛
في صبر أمّهات الشهداء، وفي تدبير النساء المؤمنات، وفي تضحية الممرّضات اللواتي يجاهدن في ميدان الصحّة بروحٍ زينبيّة.
زينب الكبرى (عليها السلام) هي تجلّي الصبر التوحيدي ، وصوت الولاية، ولهيب يقظة الأمّة.
وميلادها يذكّر بأنّ راية الولاية تبقى مرفوعةً بعقلانيّةٍ وجهادٍ تبيينيٍّ زينبيّ، كما أنّ عاشوراء من دونها تبقى بلا رسالة.
وفي زمن الحرب المركّبة والهجوم على الوعي، يظلّ بلاغها المبين منارةً للجهاد الثقافيّ والإعلاميّ والحضاريّ.

إنّ زينب ليست فقط روح الحسين، بل روح التاريخ ونواة الحضارة الإسلاميّة الجديدة؛
امرأةٌ حوّلت الهزيمة إلى نصر، وجعلت اسمها رايةَ نهضةٍ لا تنطفئ عبر العصور.

قول الإمام الخامنئي (دام ظلّه)

«إنّ زينب الكبرى (سلام الله عليها) أظهرت حقيقتين عظيمتين:
أنّ المرأة يمكن أن تكون محيطاً من الصبر والتحمّل،
ويمكن أن تكون قمّةً من الحكمة والتدبير.
وقد بيّنت زينب الكبرى غليها السلام ذلك لا لأهل الكوفة والشام فحسب، بل لكلّ التاريخ ولكلّ البشريّة.»
(21/09/1442 هـ)

(إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)
(الأحزاب: 35)

5 / 8 / 1404 هـش
٥/ جمادی الاولی / ۱۴۴۷ هق

عباس الكعبي

ماهنامه مرکز

ماهنامه شماره 419
پیمایش به بالا